عائلة الجمل (أبو سنينة) تكتب بمداد الدم صفحة بيضاء في تاريخ الخليل
بقلم: ثائر فاخوري

اليوم وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر أنني أمام مشهد تاريخي يستحق أن يُسجل بحروف من ذهب في ذاكرة الخليل وفلسطين بأسرها، ما قامت به عائلة الجمل (أبو سنينة) ليس مجرد صلح أو طيبة عابرة، بل هو فعل إنساني وأخلاقي عظيم، رسالة أسمى من أي شعارات، ومعنى أعمق من أي خطابات.
قبل أيام قليلة، فقدت العائلة شابين من أبنائها إثر خلاف عائلي مؤسف، دماء سالت وأرواح صعدت إلى بارئها. في مثل هذه اللحظات، يتوقع الجميع أن تستعر نار الغضب، وأن تطول مسيرة الثأر والانتقام، لكن عائلة الجمل خالفت كل التوقعات واختارت طريقاً آخر، طريقاً يليق بكرامتها وتاريخها وأصالتها. لقد أعلنت العائلة اليوم عن الصلح والطيبة واحتسبت دماء أبنائها عند الله تعالى، لتوقف الفتنة وتقطع دابر الشيطان، ولتكتب درساً في التسامح لا يمكن أن يُمحى.
ما جرى في ديوان عائلة أبو سنينة في الخليل اليوم لم يكن مشهداً عادياً؛ كان مشهداً يهزّ الوجدان ويجعل القلوب تخشع قبل العيون. حضور حاشد من أهالي المدينة، وجهاء عشائر جبل الخليل، أصوات التكبير والتهليل التي علت عقب إعلان الصلح… كل ذلك منح اللحظة روحاً استثنائية. كان الأمر أشبه بجسر جديد يُبنى في الخليل، جسر عنوانه أن الصلح خير، وأن الطيبة هي الطريق الأقصر لحفظ الدماء وصون المجتمع.
بموقفها العظيم هذا، أثبتت عائلة الجمل أنها امتداد طبيعي لأصالة الخليل وعراقة أهلها. لقد رسخت للعالم أجمع أن هذه المدينة ليست كما يروجها البعض، وليست كما يحاول البعض تصويرها بؤرة خلافات أو مدينة دم. الخليل التي نعرفها ونحبها هي مدينة الكرم، مدينة العائلات الكريمة، مدينة الرجال الذين إذا غضبوا حلموا، وإذا أُهينوا صفحوا، وإذا فقدوا أحبةً احتسبوا وصبروا.
إن ما حدث اليوم هو صفعة قوية لكل من يحاول تشويه صورة الخليل أو يصفها بأنها مدينة المشاكل والقتل. على العكس، الخليل مدينة عظيمة بأبنائها، بتاريخها، وبعائلاتها التي تعرف كيف تحافظ على لحمتها ونسيجها الاجتماعي. لقد ردّت عائلة الجمل على هؤلاء جميعاً دون كلمات، بل بالفعل. بالفعل الذي يثبت أن هذه الأرض قادرة على تجاوز المحن، وأن دماء أبنائها يمكن أن تكون بذرة سلام وتسامح لا وقود فتنة.
عائلة الجمل اليوم لم تصنع صلحاً فقط، بل صنعت تاريخاً. لقد قدمت نموذجاً عملياً يُحتذى به في فلسطين كلها، نموذجاً يعيد إلى الأذهان أن المجتمع القوي هو الذي يختار التسامح على الثأر، والوحدة على الانقسام. وما فعله أبناء هذه العائلة الكريمة ليس مجرد خيار عاطفي، بل هو وعي عميق بمعنى المسؤولية، وبمعنى أن الخليل يجب أن تبقى أكبر من أي خلاف.
هذه هي الخليل التي نريدها ونفخر بها .. الخليل التي ترفع راية الصلح فوق صوت الدم.. الخليل التي تكبّر بعد إعلان الطيبة لا بعد إطلاق الرصاص..الخليل التي يلتف أبناؤها حول العائلات الكريمة ليشيدوا جسراً نحو الغد..
إلى عائلة الجمل (أبو سنينة).. أنتم اليوم لم تبيضوا صفحة عائلتكم فقط، بل بيضتم صفحة الخليل كلها. أنتم اليوم الوجه الحقيقي لهذه المدينة، وأنتم اليوم رسالة للأجيال القادمة أن العظمة ليست في الثأر، بل في القدرة على التسامح، وأن الكرامة لا تُصان بالدم، بل تُصان بالحلم والعفو.