الهروب إلى الأمام .. أزمة بنيوية في الاقتصاد الفلسطيني
إقتصاد فلسطين

الخليل مكس | بقلم محمود سنقرط
في عالم الاقتصاد والسياسة، يُقصد بمصطلح “الهروب إلى الأمام” اللجوء إلى حلول مؤقتة أو إجراءات سطحية تُتخذ لتجنب مواجهة الأزمات أو المشاكل الحقيقية، معتمدين بذلك على التأجيل أو التمويه بدلاً من الإصلاح الجذري. هذه الاستراتيجية قد تبدو في البداية كخطوة نحو الخروج من الأزمة، لكنها في الحقيقة تزيد تعقيدها وتؤدي إلى تراكم المشاكل على المدى الطويل.
في السياق الفلسطيني، تتكرر هذه الظاهرة بوضوح في السياسات الاقتصادية، حيث يتم التعامل مع الأزمة المالية والمعيشية بحلول “ترقيعية” تغطي العجز المالي عبر القروض والمساعدات، دون معالجة الأسباب الجوهرية لتدهور الاقتصاد الوطني.
الحكومة الفلسطينية، على سبيل المثال، تستمر منذ سنوات في الاعتماد على المساعدات الخارجية والاقتراض المحلي لتغطية العجز، دون إصلاح جذري في الهيكل الاقتصادي. فالدَّين العام الداخلي تجاوز 4.2 مليار دولار حتى نهاية 2024، في حين تراجعت المساعدات الخارجية بنسبة 70% مقارنة بأعوام ما قبل 2017، ما زاد الضغط على موازنة السلطة التي تعاني عجزًا يقارب 2 مليار دولار حتى منتصف العام الحالي.
أما القطاع الخاص، فجزء كبير منه يواجه تحديات كبيرة في البقاء والاستمرار، إذ تشير تقارير رسمية إلى أن أكثر من 45% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الضفة الغربية معرضة للإغلاق بسبب صعوبة الاستمرار نتيجة تدهور القدرة الشرائية، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وأسباب كثيرة أخرى لا تخفى على أحد ونعيشها يوميًا.
حتى على مستوى الأفراد، يظهر “الهروب إلى الأمام” جليًا في حجم الاقتراض والاستهلاك، فتشير بيانات سلطة النقد إلى أن نحو 22% من القروض الشخصية تستخدم لتغطية نفقات استهلاكية، وليس للاستثمار في مشاريع منتجة. كما بلغت نسبة البطالة العامة في فلسطين حوالي 51%، فيما تعدّت 79% في قطاع غزة، مما دفع الكثيرين إلى الاقتراض كملاذ أخير لسد احتياجاتهم الأساسية.
في المحصلة، نحن أمام اقتصاد يعيش على الحافة، تُؤجَّل فيه المواجهة الحقيقية مع المشكلات البنيوية، بينما تتضخم الديون، وتتآكل القدرة الشرائية، وتنهار فرص النمو. لم يعد هناك متسع للهروب. نحن بحاجة إلى اقتصاد إنتاجي، شفاف، مقاوم للتبعية، يبدأ من مواجهة الحقيقة، لا الاستمرار في إنكارها.
