الإشاعة… رصاصة في ظهر المجتمع
حرب الإشاعة

الخليل مكس | في مشهدٍ ليس غريباً على واقعنا الفلسطيني، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزلاً في مدينة الخليل، وحوّلته إلى ثكنة عسكرية خلال ساعات الليل، ورفعت أعلامها على سطح البناية. الاحتلال، كعادته، لا يحتاج إلى مبررات ليعتدي، ولا ينتظر إذناً ليدوس كرامة الناس، وهو الذي سرق الأرض، واغتصب البيوت، واعتقل البشر، وانتهك كل ما هو فلسطيني.
لكن الجريمة هذه المرة لم تكتفِ بأدوات الاحتلال العسكرية، بل استكملت بأدوات أشد خبثاً وأكثر فتكاً: الإشاعة.
فما إن انتشرت صور الأعلام الإسرائيلية على سطح المنزل، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بسيلٍ من الإشاعات والاتهامات الرخيصة، بأن هذا المنزل قد “بيع” للاحتلال. انطلقت الاتهامات كالنار في الهشيم، دون تحقق أو تروٍ، ودون مراعاة لتاريخ أو كرامة أو حرمة إنسان. والأخطر أن كثيراً من هذه الإشاعات خرجت من حسابات وهمية وأسماء مستعارة، يختبئ خلفها جبناء، لا يملكون من الرجولة ولا من الوطنية شيئاً.
جريمة معنوية لا تقل عن الاحتلال
إن من يُطلق إشاعة بحق عائلة فلسطينية، ويشكك في وطنيتها، ويطعن في شرفها، لا يختلف كثيراً عن المحتل الذي يقتحم البيوت. فالإشاعة جريمة اغتيال معنوي، وتدمير للنسيج الاجتماعي، وقتل للثقة بين أبناء المجتمع الواحد.
نحن نعيش تحت احتلال لا يرحم، ولسنا بحاجة لمن يُكمل علينا من الداخل، ويُساهم في كسر المعنويات، وتشويه السمعة، وبث الفتنة. هل يُعقل أن نبرر جرائم الاحتلال بأنها نتيجة “بيع”، وكأن الاحتلال يحتاج إلى صكٍّ قانونيٍ من صاحب المنزل كي يقتحمه؟ وهل ننسى أن هذا العدو اقتحم أرض فلسطين كاملة دون أن يشتري شبراً منها؟
حين يُصبح المجتمع أداة بيد الاحتلال
الإشاعة ليست مجرد كلام عابر، بل هي سلاح فعّال يستخدمه الاحتلال نفسه ضمن أدوات الحرب النفسية. حين ينجح الاحتلال بزرع الشك بين الناس، وتشويه العائلات الوطنية، فهو يُحقق أهدافه دون إطلاق رصاصة واحدة.
وبدل أن نُعلي صوتنا ضد الاحتلال واعتداءاته، نُسارع للطعن في ظهور بعضنا، والتشكيك في نوايا الشرفاء من أبناء هذا البلد الصامد.
مطالبة بالمحاسبة والحماية
نطالب الجهات الرسمية، والجهات الإعلامية، والمؤسسات المجتمعية، أن تتحمل مسؤولياتها في مواجهة هذه الظاهرة. يجب سنّ قوانين تُجرّم نشر الإشاعة، خاصة تلك التي تمس كرامات العائلات، وتشوه سمعتها. كما يجب تتبّع الحسابات الوهمية والمأجورة، التي تنفث سمومها في كل واقعة.
ختاماً: لا تطلقوا النار بألسنتكم
في وقت نحتاج فيه إلى التكاتف، والمساندة، والدعم النفسي والمعنوي، هناك من اختار أن يكون خنجراً في خاصرة أهله. من يُطلق الإشاعة هو شريك في الجريمة، وشريك في الاحتلال، وإن لم يحمل سلاحاً.
لنحذر جميعاً من سهام الكلمات. فالكلمة قد تجرح أكثر من الرصاص، وقد تهدم بيوتاً من الكرامة والتاريخ، بلمسة من جهل أو خبث.
ارفعوا منسوب الوعي، لا منسوب الشك. واحفظوا للناس سمعتهم كما تحبون أن تُحفظ لكم